المخدرات والتنمية...
حمزة العبد الله الشلال*
hamssa8888@yahoo.com
المخدرات أو الحرب الخفية كما يسميها البعض غدت اليوم آفة سرطانية في الوطن العربي، فمع كل صباح يوم جديد تتفاقم هذه المشكلة وتزداد تعقيداً خصوصاً وأنه يقدر عدد المدمنين في الوطن العربي بما يزيد عن 11 مليون شخص غالبيتهم من الشباب، وهذا جزء من مشكلة عالمية تتسع يوماً بعد يوم فعلى المستوى العالمي يقدر عدد المدمنين بما يزيد عن 212 مليون شخص أي ما يعادل 5% من سكان الأرض.
التنمية في أشباك المخدرات
مما لا يخفى على أحد أن للمخدرات آثاراً لا تقتصر على المدمن أو المتعاطي فحسب ولكنها تمتد إلى أبعد من ذلك بكثير، ولعل أبرز ما تسببه المخدرات هو تدمير التنمية في المجتمعات من خلال انتشار الجريمة المنظمة والفساد اللذان تسببهما المخدرات فمتعاطي المخدرات لا يتورع عن القيام بأخطر وأجسم الجرائم للحصول على المخدرات سواء كان ذلك بالسرقة أو القتل أو الاغتصاب أو الدعارة وهذا يؤثر سلباً على حركة التنمية من خلال التأثير على أمن المجتمعات، إضافة إلى ذلك تؤثر المخدرات على صحة المجتمع وهي جزء لا يتجزأ من تنمية المجتمعات فتتسبب بتفشي العديد من الأمراض المنقولة عبر الدم كفيروس الكبد الوبائي، والأمراض الجنسية كالإيدز من خلال تقاسم الحقنة والتشارك بها، وكذلك من خلال أن المخدرات تبطل مفعول المضادات الفيروسية التي تعطى لمريض الإيدز لزيادة عمره، كما تقود المخدرات بجانب الأمراض السابقة إلى حالات حادة من الاكتئاب والعزلة والانطواء وأمراض نفسية أخرى والتي تؤدي نهاية إلى الانتحار أو الموت.
ولا يقتصر تأثير المخدرات على ذلك فهي تلحق الضرر بالاقتصاد القومي للمجتمعات من خلال محورين: الأول هو ضياع وإهدار ساعات عمل لا تحصى، وهذا سيقلل من الإنتاج القومي، وسيؤدي كذلك إلى بطالة، والمحور الثاني: من خلال تحميل المجتمعات مصاريف العلاج وإعادة التأهيل والتي تمثل مبالغ طائلة بالإضافة على تحميل الاقتصاد القومي الخسائر الناتجة عن إصابات العمل وإتلاف الآلات والحوادث المرورية التي يتسبب بها المتعاطون والمدمنون، كما تتسبب في زيادة عمالة الأطفال الناتجة عن تخلي أرباب الأسر عن أسرهم جراء إدمانهم أو تعاطيهم.
كما تؤثر المخدرات على التنمية من خلال الجانب الاجتماعي فالمحيط الذي يوجد فيه متعاطي أو مدمن تتسم علاقاته الاجتماعية بالانحلال والتفكك، وهذا يؤثر نفسياً على الجيل الحالي والذي سيأتي، فينتج عنه جيل محطم، متدني الطموح والأهداف.
والجانب الزراعي يتضرر من انتشار المخدرات، فأرباحها الهائلة تغري المزارعين على استبدال منتجاتهم الزراعية بمواد إدمانية، وهذا ما يؤثر على الوضع الزراعي المحلي.
ومما سبق من العوامل يلاحظ تأثير المخدرات على التنمية وجوانبها المختلفة والعالم العربي ليس ببعيد عن هذه التأثيرات، والتسارع الرهيب في انتشار المخدرات تدق ناقوس الخطر في آذان المجتمعات بضرورة التحرك للحد من آثار هذا السرطان الذي ما إن استشرى في جزء من جسد الوطن العربي حتى يعم البلاء الجميع.
حرب المخدرات.. مهمة تكاملية
بينت إستراتيجية الأمم المتحدة لعام 1998م لمكافحة المخدرات والتي لا يزال يعمل بها إلى اليوم أن المهمة تكاملية بين المجتمع المدني ممثلا بمنظماته وأشخاصه وبين السلطات المختصة، حيث تلخصت الإستراتيجية في خفض عرض المخدرات من خلال تشديد الإجراءات الشرطية من قبل الجمارك والحدود وخفر السواحل وضبط المخدرات وهذه الخطوة تمثل 30% فقط من عملية مكافحة المخدرات، أما الـ 70% الأخرى فهي واجب المجتمع في خفض العرض من خلال التوعية ومساعدة الشرطة والجهات الأمنية.
فكان من الواجب على المجتمعات أن تنقذ أبنائها وشبابها وتنقذ بالمقابل كذلك حركتها التنموية المهددة بالانهيار والتحطم، وكما يقول شاعرنا الكبير أبو فراس الحمداني "ولكن إذا حل القضاء على امرؤ فلا بر يقيه ولا بحر".. ودرهم وقاية خير من قنطار علاج.
__________________________________________________________________
* مدرب في مجال التنمية البشرية والتوعية بأضرار المخدرات والإدمان
